أدب وثقافة

ساعة عدل واحدة!

ساعة عدل واحدة!

88225-502x335

تمهيد..

فيما يلي تفريغ وترجمة لبعض الفقرات المختارة من أحد أكثر الكتب التي ألفت عن المجتمع الطبي المصري إثارة للاندهاش! كتاب ساعة عدل واحدةلكاتبه د. “سيسيل ألبورت، طبيب إنجليزي عمل أستاذاً للطب الإكلينيكي بمستشفى قصر العينيفي الفترة ما بين عامي ١٩٣٧ و ١٩٤٣، استوحى الدكتور ألبورت عنوان كتابه ساعة عدل واحدةمن الحديث الشريف الذي سمعه من أحد الزملاء المصريين في الفترة التي أقام فيها بمصر: “ساعة عدل واحدة تعدل سبعين عاماً من الصلاة المقبولة، هذا ما قد ذكر في مقدمة كتابه ص٤. تدور مواضيع الكتاب الأسود للطب في مصر” (كما أطلق عليه كاتبه) حول الأوضاع الاجتماعية المتردية للمجتمع المصري آنذاك، تحديداً الفروق الاجتماعية والمعيشية المذهلة التي لاحظها بين طبقتي المجتمع المصري، وقد كان يقصد طبقة الوزراء والباشوات وأصحاب السلطة من ناحية وطبقة الفلاحين والمزارعين المعدمين من الناحية الأخرى. وقد ركز الدكتور سيسيل ألبورت رصده للظلم الواقع على الطبقات الدنيا من المجتمع المصري وفساد الطبقة المالكة للسلطة والمال، ركز رصده ذلك في بيان الأوضاع الطبية لمستشفى وكلية طب قصر العيني، بحكم اختصاصه وعمله بهما حوالي ٧ سنوات كاملة أنهاهم بأن اتخذ قرار العودة لموطنه في بريطانيا وتأليف هذا الكتاب الذي سوف نستعرض فيما يلي بعضاً من نصوصه المدهشة والمذهلة من وجهة نظري المتواضعة، كما أنصح المشتغلين بالمجال الطبي عموماً بالإطلاع على الكتاب بنصه الأصلي ترجمة سمير محفوظ بشير.

يحكي الدكتور سيسيل ألبورت أنه في إحدى أيام العطلة ذهب برفقة سائح أمريكي لزيارة المتحف المصري، وجرى بينهما هذا الحوار المنقول نصاً من الكتاب: “وبينما نسير، أبدى ملاحظة بقوله (يقصد صديقه): “لقد أخبروني بأنه أيام توت عنخ آمون كان هؤلاء الناس متحضرين مثلنا، أنا لا أصدق ذلك!”، هذا القول ضايقني للغاية، كان رد فعلي مباشراً: “يا سيدي العزيز، هؤلاء الناس كانوا فعلاً في غاية التحضر أيام أن كان أجدادك متدلين على الأشجار وهم قابضين على فروعها بذيولهم!”.. نظر إلي مندهشاً وقال: “إذاً أنت تؤمن بنظرية التطور لداروين“.. فأجبت: “طبعا أؤمن بها، وأؤمن أيضاً بنظرية الانحدار“.

يصف الدكتور سيسيل ألبورت الانطباع الأول الذي تركه طلبة الطب بقصر العيني لديه أول قدومه من بريطانيا واستلام مهامه بتدريسهم الطب الإكلينيكي بقوله: “هنا بدت لي مفاجأة سارة وغريبة في ذات الوقت، هؤلاء الشباب ممتازين فعلاً ومماثلين لمن كنت أدربهم بمستشفى (سانت ماري)، واثنين من المجموعة الأولى يمكن أن يوصفوا بأنهم بارعينثم يستطرد قائلاً: ” كل الطلبة استجابوا لي وتناغموا معي، سوى طالب واحد.. هو للأسف ابن سيادة العميد“.

ثم يذكر د. ألبورت أنه وحرصاً منه على مستقبل الطالب، أرسل خطاباً مختصراً لوالده لينبهه لتغيب ابنه المستمر عن محاضرات الطب الإكلينيكي وعن مدى أهميتها في تأسيس الطبيب.. وكان هذا نص رد الفعل الذي تلقاه منقول حرفياً من الكتاب: “كانت هذه غلطة العمر بالنسبة لي، لم يستوعب العميد مقصدي النبيل، و بدا كأنما هو رافض تماماً لأي كلمة نقد توجه لأحد من أفراد عائلته!”.

ملحوظة: سيادة العميد المشار إليه في الفقرة السابقة هو إبراهيم باشاأول مصري شغل هذا المنصب، وقد شغله لأكثر من ١٠ سنوات.

في وصف الدكتور ألبورت لطبيعة الحياة السياسية في مصر إبان فترة إقامته بها، ولا سيما فيما يخص آليات الديمقراطية، قال:

الانتخابات في مصر ليست كذلك إلا بالاسم فقط، فالغصب والرشوة منتشرين بشكل بشع، وأثناء انتخابات سنة ١٩٤١ لم يدل خدم أو ممرضي المستشفى بأصواتهم.. قالوا لي أنهم خائفون من الرجال المنتصبين أمام كل مركز انتخابي يراقبون، إذا أدلى أحد الناخبين بصوته ضد الوفد، فإنه بإشارة بسيطة تصدر لمجموعة من البلطجية خارج المكان، يتلقى الناخب علقة لن ينساها طوال حياته“.

ويروي الدكتور ألبورت كيف كان يؤسس طلبته على المبادئ الأخلاقية السامية وأدبيات المهنة التي يرى كما ذكر في كتابه أنها أهم وأولى بالتعليم من علوم الطب ذاتها، فيقول:

أخبرتهم أنه في الطب، ليس هناك فرق بين الباشا والفلاح، وأنهم عندما يفحصون مريضاً في أي قسم من أقسام المستشفى، يجب أن ينظروا إليه كأب أو أم أو أخ أو أخت، وأكدت عليهم أن الفلاحين الذين يأتون إليهم هم في الواقع أناس طيبين معترفين بالجميل إذا عوملوا معاملة حسنة، بدلاً من النظر إليهم كما لو كانوا قطع من الأثاث“.

أما عن رأي الدكتور ألبورت في آليات التدريس بطب قصر العيني آنذاك فقد قال: “المعلومات الطبية الأساسية، أو الطب الإكلينيكي (السريري) هو الفرع الذي يخشاه الطلبة، أما الأساتذة فهم لا يقبلون على تدريسه ويفضلون عنه ما يتيح لهم أن ينفشوا ريشهم أمام طلبة لا يفقهون شيئاً وغير قادرين على تقدير ما يلقى عليهم، وقد لاحظت أن المدرسين المصريين متمسكون بهذا الاتجاه“.

إحدى ملاحظات الدكتور ألبورت عن تصنيف العقل المصري في الشهور الأولى من إقامته بمصر: ” يجب أن يطرد الشعب الإنجليزي من مخيلته كون المصريين من الشعوب السوداء الأفريقية؛ أنهم نتاج حضارة متميزة، فإن قدراتهم العقلية تتساوى مع الأوروبي المتوسط في عموميتها.. وأعتقد أنه بعد جيلين، سيتساوى مستوى حضارتهم مع أحسن ما في الجنس الساكسوني الإنجليزي“.

ملحوظة: بعيداً عن اللمحة العنصرية في استخدام الدكتور ألبورت للجنس الساكسوني الذي ينحدر منه كمقياس للتقدم الحضاري العقلي للبشر، وبعد التأكيد على أنه من سياق الفقرة يتضح أن الكاتب يقصد درجة تحضر العقلوليس درجة تحضر الدولة.. بعد إجراء حسبة بسيطة مستخدمين تاريخ كتابة هذا الكتاب والفترة الزمنية التي يستلزمها انقضاء جيلين، يتبين لنا أن الدكتور ألبورت يشير للجيل التالي لنا.. أبنائنا“.

وعن استياء الدكتور ألبورت من الأوضاع التي تسيطر على مستشفى قصر العيني إبان فترة اشتغاله كأستاذ للطب الإكلينيكي بها بين عامي ١٩٣٧ و ١٩٤٣: “فكيف بالله عليكم نصف ذلك الأستاذ الجامعي الذي يتبختر في أرجاء الكلية وقد نما شعر ذقنه غير الحليق منذ أربعة أيام مثلاً، أو ذاك الذي يهمل عمله في قسمه ويحضر طبقاً لهواه، أو كيف تواجه ذلك الذي يحابي أو يضطهد الطلبة في الامتحانات لأسباب شخصية أو دينية أو طبقية؟!”

يحكي الدكتور ألبورت عن أحد المواقف التي شهدها في إحدى اجتماعات مجلس كلية طب قصر العيني، حيث يقول: “منذ سنتين رسب طالب في امتحان الجراحة العامة في مادة التوليد، فهب أستاذ أمراض النساء والولادة وتقدم باحتجاج رسمي أمام مجلس الكلية وأصر على أن يغير الممتحنون درجة هذا الطالب لينجح، لكن الممتحنين رفضوا بكل إباء وشمم أن يغيروا النتيجة؛ هنا فقد الأستاذ أعصابه وهاج وماج في الحاضرين صارخاً:”اذا لم ينجح هذا الولد فإني سوف أستقيل من وظيفتي! أنا لا أسمح لأحد من أفراد عائلتي أن يعامل هكذا“.. فقفزت من مكاني قائلاً: “فرد من أفراد عائلتك ؟!”، فتمالك نفسه وقال: “فرد من أفراد عائلتي الطلابية“.. ثم خرج يرغي و يزبد مهدداً بالاستقالة، لكنه لم ينفذ وعيده بالطبع، واكتشفت بعد ذلك أن هذا الطالب هو ابن أخيه! “

لاحظ الدكتور سيسيل ألبورت كما ذكر في كتابه أن طلبة الكلية يعانون من نقص حاد في المعلومات الطبية الأساسية المتعلقة بالطب الإكلينيكي (السريري)، لذا وكحل ومبادرة منه للإسهام في سد العجز وتلبية الحاجة قام متطوعاً بتأليف كتاب كامل عن أهم مبادئ وأسس الطب الإكلينيكي التي لابد من تعليمها لكل طلبة الطب كأساس يبنى عليه.. ثم أهدى كتابه لإدارة الكلية بعد أن اشترط على المنوطين بنشر الكتاب أن يوزعوه على طلبة الكلية بلا أي مقابل مادي، فإذا به يفاجأ بعد فترة وجيزة أن إدارة الكلية تبيع الكتاب للطلاب ب٥ قروش! فاحتج على تلك الخطوة التي تخالف شرطه ومبادئه، ولكن أحداً لم يستجب له.. وبعد سنوات، حينما قرر الدكتور سيسيل ألبورت أن يستقيل من منصبه وأن يعود إلىإنجلترا، موطنه ومسقط رأسه، أراد أن يأخذ نسخة من كتابه الذي ألفه لأنه اكتشف أنه لم يمتلك واحدة، فطالبته إدارة الكلية بتسديد مبلغ وقدره ٥ قروش ثمناً للكتاب الذي ألفه متطوعاً دون إرغام مقابل حصوله على نسخة منه!

عبارة استخدمها الدكتور ألبورت في كتابه مدلالاً على المبادئ التي يجب الالتزام بها في تدريس الطب؛ وهي من كتاب تاريخ التعليم الطبي في مصرللدكتور نجيب محفوظ: “أرجو مخلصاً في المستقبل، أن تختفي مظاهر التحيز والمحاباة والألاعيب السياسية و المؤامرات والهيمنة التي تقف حائلاً في سبيل تقدم وتطور مدرسة الطب“.

ملحوظة : نشر كتاب تاريخ التعليم الطبي في مصرفي الثلاثينيات من القرن الماضي، وكاتبه هو الطبيب نجيب باشا محفوظرائد طب النساء والتوليد بالعالم آنذاك، وقد حمل اسمه العديد من العمليات الجراحية في مجال طب النساء والتوليد، كما حمل اسمه أطلس أمراض النساء والولادة العالميالمترجم لست لغات (أطلس نجيب محفوظ).. و معلومة عن ذلك الطبيب الرائد لا يعلمها الكثير؛ أنه قام بعملية ولادة متعسرة وصعبة لأحد الأطفال، فقرر أبواه أن يسميا الطفل تيمناً باسم الطبيب صاحب الفضل في إنقاذ حياته وحياة أمه.. فكان هذا الطفل نجيب محفوظالأديب المصري العالمي.

الفقرات السابقة منقولة نصاً من كتاب ساعة عدل واحدةللطبيب الإنجليزي سيسيل ألبورت، أما التمهيدات التي تسبق النص أو الملحوظات التي تتبعه فما هي إلا اجتهاد شخصي متواضع لا يذكر.. فالفضل يرجع للمؤلف الذي رأى ما خالف اعتقاده ومبادئه كإنسان قبل أن يكون طبيباً، فقرر أن يوثقه لأخذ العبرة وتدارك الخطأ ليصل لنا كتابه اليوم وبعد عشرات السنين من تأليفه، فيدهشنا محتوى المقال بقدر ما أدهشنا تشابه الأحوال.. بل تطابقها في كثير من المواضع!

أما الفضل الأكبر والأعظم فيرجع لمن أهدى الكاتب عمله المتميز لهم، ونسب كل الفضل إليهم في إنجازه بعد نشره في مقدمة الكتاب؛ ملايين الفقراء المرضى من المصريين“.. أولئك هم أصل الطب وغايته، أولئك هم من يمنحون لكل مجهودات الأطباء في مصر وحول العالم معنى و قيمة، أولئك وحدهم هم من يمنحون لمهنة الطب تلك الهالة والقدسية التي تحظى بها، وأولئك من يستحقون وبلا شك.. اكثر من ساعة عدل واحده !

أدب وثقافة

طبيب ثوري و مدون و كاتب هاوي و طبال محترف !

More in أدب وثقافة

البوستر الخاص بالأمسية

ماتأخرناش: أمسية شعرية غنائية جديدة للشاعر أحمد حداد

شوارع مصر4 يناير، 2017
المفكر محمد أسد

من اليهودية إلي الإسلام.. رحلة المفكر والرحالة الأوروبي محمد أسد

شيرين عمر9 ديسمبر، 2016
دعاء العدل

اختيار دعاء العدل ضمن قائمة النساء الأكثر تأثيرا لعام 2016

أصوات مصرية23 نوفمبر، 2016
البوستر الدعائي للفيلم - المصدر: IMDB

«قبل الفيضان»… رائعة وثائقية جديدة لقناة ناشيونال جيوغرافيك وليوناردو دي كابريو

هديل السمري22 نوفمبر، 2016
الفنان الراحل محمود عبدالعزيز وزوجته بوسي شلبي، في حفل افتتاح مهرجان دبي السينمائي، ديسمبر 2012- رويترز

مهرجان القاهرة السينمائي ينطلق الليلة ويهدي دورته إلى “الساحر”

أصوات مصرية15 نوفمبر، 2016
14463241_10154961623202289_8176077139969131321_n

ثلاث مشاهد مكثفة.. عن الحب

محمد السلاموني1 أكتوبر، 2016
مسجد بلال في فيللة،

بيع أول مجموعة لصور سياحية في مصر بعد 170 عامًا

شيرين عمر27 سبتمبر، 2016
saudiarabiagrungyflagbythink0-1

تحت المايكروسكوب: الوهابية ودولتيهم السعوديتين .. الأصل والفصل

عمر محيسن22 سبتمبر، 2016

شوراع مصر هي شبكة اخبارية اعلامية مصرية شابة و مستقلة تهدف اساسا الي امداد القاريء بتصورات بديلة و مختلفة للاحداث في مصر و الشرق الاوسط , و لخلق منصات للتواصل الاجتماعي بين القراء لاستكشاف و مناقشة القضايا المختلفة التي تؤثر علي المنطقة . و شوارع مصر باللغة العربية تاتي تحت مظلة شبكة اعلامية تضم باللغة الانجليزية كل من شوارع مصر و شوارع لبنان و اخيرا شوارع اللاجئين. و تعد تلك الشبكة مصدرا موثوقا لعدد كبير من وسائل الاعلام العالمية نظرا لما تتمتع به من مصداقية و استقلالية اضافة الي تميزها من جيث تواصلها الدائم و المباشر مع قرائها من مختلف الاتجاهات و الجنسيات.

© 2016 ES Media UG. All Rights Reserved