رأي

كم «عمران دقنيش» لا نعرف قصته

كم «عمران دقنيش» لا نعرف قصته

unnamed

هناك، داخل حي القاطرجي بحلب، حمله شخص ووضعهُ داخل عربة الإسعاف، جلس وهو في صدمةٍ كبيرة؛ من الممكن أن تكون صدمة ممّا يراه، أو صدمة من أنه وجد نفسه وحيدًا فجأة، أو الصدمة التي أفقدته النُطق وقتها، أو أنها لم تكن صدمة من الأساس، بل مشهد تكرر أمامه عِدّة مرات فتعود عليه، أو أشياء كثيرة لا نعلمها كانت تدور في ذِهن هذا الصغير.

جالس على كرسي، صامت، يتفقّد جسده المُلطّخ بالتراب من آثار القصف، ينظر للدماء على يده التي كانت من المفترض أن تحمل لُعبة أو قلمًا، و ينظر لمن يلتقط له بعضًا من الصور والتي ستظل تُذكّره بهذا اليوم الذي لن ينساه.

أتكلم هُنا عن عُمران دقنيش، الطفل السوري الذي لا يعيش طفولته.

أي طفل في هذا العُمر يأخذه والداه، ويذهبوا به إلى محل تصوير، و يضعوا في يده آلة موسيقية ويزيّنوا الخلفية بلون جميل يتناسب مع ملابسه، ويبدأ المصوّر بإشغاله وملاطفته ليأخذ له بعض الصور. أمّا عن عُمران، فهو في عربة إسعاف، يداه تحمل دماء، في الخلفية، صناديق إسعافات أوّليّة، وفي ذاكرته، قتلى ودمار وصراخ وبكاء، وأمامه مصور، لن أذكر اسمه، قد استغل حالة عمران واستخدمه كأداة إعلامية.

عمران لم يبتسم أمام المصوّر، و لم يبكي و يصرخ. الصراخ و البكاء، في أي سِنٍ كان، يُعبّر عن الخوف والقهر والضعف والإحتياج للمساعدة، ولكن هذا لم يفعلهُ عمران. هل هي شجاعةٌ منه؟ هل هي سُخريةٌ من هذا المشهد المأسوي؟ هل هو يقينٌ منه أنّه لن يجد من يساعده في هذا العالم العربي؟ هل يريد أن يُثبِت أن سوريا لن تبكي و لن تهتز؟ قد يكون هذا ما أتى في عقله، وقد تكون هذه التعبيرات أكبر بكثير من سِنّه؛ و لكنّي رأيت من قبل ماذا يرسم الصغار في الأوطان التي تعاني من احتلال داخلي أو خارجي، فكل الرسومات تكون لبيوتً تُهدَم ولأُناسٍ تبكي وصواريخ في السماء بدلاً من السُحُب الهادئة، فأنا لا أستبعد أن تكون صورة سوريا الضائعة هي كل ما يحمله عمران دقنيش في ذهنه وقلبه.

بجانب عُمران، توجد فتاة في نفس العُمر أو أكبر بقليل، ترتدي ملابس وردية اللون مثلها مثل أي فتاة صغيرة. تجلس في نفس العَربة، مغطاة بنفس الدماء، وعلى وجهِها نفس تعابير الصدمة والهلع، وهي أيضًا لم تبكي. تنظر للمصوّر نفس نظرة عُمران، و لكن صورتها لم تُستَخدَم في التعبير عن ضياع سوريا كما كان مع عُمران.
ليتني أعرف ما اسمُها لكي يتذكّرها العالم كما سيتذكّر عمران.

مُتأثراً بإصاباته البالغة جراء القصف، توّفي علي دقنيش، البالغ من العُمر عشر سنوات، وهو الشقيق الأكبر لعُمران، عانى علي من تدمير في الكُلية اليُمنى، وكسور في الأطراف العُلوية والأضلع، وبقي في العناية المُركّزة قبل أن يودّع هذه الدنيا ويلتقي بربّه؛ و كما قال الطبيب، أبو رسول، الذي تابع حالة علي الصحيّة، إن الوفاة جائت نتيجة الوقت الطويل الذي قضاه علي تحت الأنقاض، والوقت الأطول في انتشاله وتوصيله إلى المشفى، وأن كل التركيز الإعلامي كان على عمران والذي كان أكثر حظًا من أخيه الذي هو الآن بين يدي ربّه.

الوسائل الإعلامية قررت أن تُسلّط الضوء على عُمران لأنه، بصورته هذه و باللقطة التي اُتُّخِذت له، يكون مادة أعلامية ممتازة واحترافية لتوضيح الحالة التي يعيشهُا كل سوري، و لم ينتبه أحد إلى علي، فما الجديد في مشاهدة جُثةٌ أخرى؟
رحم الله علي دقنيش.

السوريون يُقتَلون كل يوم، فلماذا نتذكّر سوريا عندما تأمرنا وسائل الإعلام أن نفعل؟ لماذا تذكّرناها فقط عند مشهد إيلان الكردي؟ وهو الطفل السوري الذي فارق الحياة على أحد الشواطئ؛ لماذا تذكّرناها عندما قُصفت حلب يوم جُمعة ولم تُقام الصلاة وقتها؟ لماذا تذكّرناها فقط عندما استخدم بشار الأسد أسلحة كيميائية ضد شعبه؟ لماذا تذكّرناها فقط عند مشاهدة عمران دقنيش؟

فقط لأن هذه الأحداث هي التي تهييء عناوين لأخبار تجذب المشاهدين. نحن نعلم أنّهم يموتون كل يوم، و لكننا لا نشعر بهم إلّا عندما نشاهد مثال بأعيننا، فوسائل الإعلام هي من تتحكم بنا، و لن ننتظر الضوء الأخضر لكي نرصد ما يحدث في سوريا أو في أي مكانٍ آخر يوميًا من انتهاكات لحقوق الإنسان و ذُل مستمر للشعوب العربية.

في شهر أغسطس فقط، قُتِل ما يزيد عن ١٤٢ طفل سوري بسبب القصف المستمر بلا رحمة فوق الرؤوس، و في المُجمَل، قُتِلَ حوالي ٥٠ ألف طفل خلال الخمس سنوات الماضية؛ هذا بالإضافة إلى الأطفال الذين يعيشون بعقلٍ ميت وذكرياتٍ قاتلة ونفسية مُدمّرة. فكم طفلاً حُفِرَ اسمه في عقولنا كعمران دقنيش؟ و كم عمران دقنيش لا نعرف قصته؟

رحم الله كل من فقد روحه في هذه الحرب.

رأي

نبذة: مصري متخرج من جامعة تكساس تك (Texas Tech) بالولايات المتحدة الاميريكية قسم علوم سياسية. كاتب و شاعر. شغوف بحقوق الانسان. مواليد ابريل ١٩٩١.

More in رأي

قوات الأمن تلقي القبض على عدد من الشبان في مظاهرة سابقة - رويترز

عقيدة الأمن في مصر

شوارع مصر5 يناير، 2017
fidel-castro-turned-90-on-saturday-so-cubans-made-him-a-90-meter-long-cigar

عذرًا فيدل.. اللي مايعرفك يجهلك

عمر محيسن26 نوفمبر، 2016
مهند إيهاب - المصدر: صفحته على فيس بوك

مهند إيهاب.. 93٪ سرطان، 100٪ حرية

محمد ثروت4 أكتوبر، 2016
909711d0c18ded3774e248afe29c029c

نسوا الدُرة وشيعوا بيريز و«كله عمل من بَنها»

عمر محيسن30 سبتمبر، 2016
مشهد من فيلم «The Purge»

«التطهير» .. 12 ساعة خيال في أمريكا وواقع مصري على مدار العام

عمر محيسن24 سبتمبر، 2016
14390895_10157589448630691_3709270641951540381_n

الاحتياج للموت

مصطفى الأعصر23 سبتمبر، 2016
14182689_10157247198550018_820885272_n

ثورة البطون الجائعة

محمد ثروت3 سبتمبر، 2016
لقطة من فيلم (The Green Zone)

أفلام هوليوود ما بين عرض الواقع والتجميل السياسي

هديل السمري29 أغسطس، 2016

شوراع مصر هي شبكة اخبارية اعلامية مصرية شابة و مستقلة تهدف اساسا الي امداد القاريء بتصورات بديلة و مختلفة للاحداث في مصر و الشرق الاوسط , و لخلق منصات للتواصل الاجتماعي بين القراء لاستكشاف و مناقشة القضايا المختلفة التي تؤثر علي المنطقة . و شوارع مصر باللغة العربية تاتي تحت مظلة شبكة اعلامية تضم باللغة الانجليزية كل من شوارع مصر و شوارع لبنان و اخيرا شوارع اللاجئين. و تعد تلك الشبكة مصدرا موثوقا لعدد كبير من وسائل الاعلام العالمية نظرا لما تتمتع به من مصداقية و استقلالية اضافة الي تميزها من جيث تواصلها الدائم و المباشر مع قرائها من مختلف الاتجاهات و الجنسيات.

© 2016 ES Media UG. All Rights Reserved