رأي

لماذا يتزامن قصف غزة دائماً مع الانتخابات الأمريكية؟

لماذا يتزامن قصف غزة دائماً مع الانتخابات الأمريكية؟

كتب: هشام شفيق

عدسة: جوشوا روبيرتس

وعاد القصف من جديد.. لم تلبث بضع سنوات، بالتحديد أربع، من الهدوء الحذر أن تمر، حتى عادت بيوت أهل غزة تحت النار والأنقاض والحصار.
لم يعد لغز غزة محيراً، ففي نفس الميعاد كل أربعة أعوام – هي عمر فترة الرئاسة الأمريكية – تنهال إسرائيل بضربات لا منطقية على أهل القطاع، تمطرهم بنار تشوي قلوبهم فتنتج ما تنتج من خطاب كراهية وربما بعض من الضربات المضادة في شكل عمل “إرهابي” (على حد تسمية السلطات الإسرائيلية وأتباعها في الغرب والعرب) هنا أو هناك، ثم يستخدم هذا الخطاب “الإرهابي” ليبرر استمرار الإشارة الخضراء للكيان الصهيوني الغاصب في جميع أجندات مرشحي الرئاسة الأمريكية، فيعود الوعد الرئاسي التقليدي في هذا الميعاد كل أربعة أعوام: “سنحمي اسرائيل”. منذ أن حكمت حماس القطاع، ما سئم العالم أن يسمع هذا الوعد السريالي بحماية دولة نووية من منظمات لا تملك إلا أسلحة بدائية الصنع. نسمعه ودوي القذائف أمريكية الصنع في الخلفية، في 2008، في 2012، ثم الآن في 2016.
يصعب أن نغفل عن تلك “الصدفة” المتكررة، فمنذ تأسيس دولة إسرائيل، بل منذ تأسيس اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة “أيباك”، والملف الإسرائيلي حاضر في خطاب أي مرشح جاد لرئاسة الإدارة الأمريكية. فبشكل أو بآخر، كما أوضح من قبل سامويل هانتنجتون في كتابه “من نحن؟”، الولايات المتحدة تجد في إسرائيل امتداداً لها. وبينما يركز أغلب المراقبين على الامتداد الاقتصادي والسياسي والثقافي، وجه هانتنجتون الأنظار إلى ما هو أبعد: الامتداد الحضاري / امتداد الهوية.
فيجب ألا ننسى كيف تأسست الولايات المتحدة؛ مهاجرون من أوروبا يمتطون خيول الحرب، يجرّون في أيديهم عبيداً ومستوطنين من الدرجة الثانية يعملون في الأمور المدنية الدنيا، يأتون على أرض مسكونة فيهجروا شعبها ويقتلوا ما تبقى منه، ويرفعوا شعاراً دينياً: “في الله نثق” وآخر تقدمياً: “التحضر”، ليبرروا تلك المجزرة، ويبرروها أيضاً عن طريق شيطنة تلك الحضارة التي جاءوا لينسفوها نسفاً، متهمين إياهم بالإرهاب، والجهل، والبربرية، ومعاداة الجنس الأوروبي. بل والأنكى، اتهامهم بالتآمر لنسف “المهاجرين” الأوروبيين(الأمريكان الآن)، وفي هذا تبرير ليس فقط استباق قتلهم ونسف حضارتهم، بل أيضاً تبرير بقاء الوضع الاجتماعي الأمريكي، بكل ما فيه من قهر لأغلب الفئات الاجتماعية (العبيد، المرأة، الفقراء، إلخ…) على ما هو عليه حتى انتهاء “المعركة”، فصراع “البقاء” حتماً يقزم أهمية الصراعات الطبقية، والنوعية، وغيرها من الصراعات “الفرعية”.
ما أشبه اليوم بالبارحة.. وما أشبه أمريكا الأمس، بإسرائيل اليوم.
أقول أمريكا الأمس لأن “حرب البقاء” الأمريكية قد انتهت بانتهاء الهنود الحمر (بالمعنى الحرفي). ويبدو، كما يذكر نعوم تشومسكي في كتابه “القوة الأمريكية والأفندية الجديدة”، أن الدولة العسكرية الأمريكية – أو الدولة الأمريكية الأولى كما يحب البعض (مثل دافيد كامبيل) أن يسميها – قد حفرت قبرها بيدها حينما أبادت الهنود الحمر.. فمع اختفاء “الفزاعة” أفاق الشعب الأمريكي المقهور من غفلته، فاضطر العسكر للرجوع (نسبياً بالطبع) إلى الصفوف الخلفية، يأخذ أوامره اليوم من أحد أحفاد العبيد الأفارقة – باراك أوباما – وغداً من امرأة – هيلاري كلينتون -.
أما إسرائيل، فدولتها العسكرية ما زالت محافظة على طبعها وتشكيلها البدائي. حتى أن أهم قيادات اليوم – بما فيهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو- لم يغادروا المشهد منذ حروب التأسيس! لازالت إسرائيل دولة عنصرية بامتياز، يتقدم صفوفها الرجل الأبيض اليهودي الأشكينازي، ويحتل قاع مجتمعها الأنثى السوداء المسلمة، وبينهما اليهود المزراحيون فالسفارديم وهكذا في سلم اجتماعي عرقي وديني واضح لكل ذو نظر. فكيف حافظت دولة إسرائيل الأولى – إن صح التعبير- على وضعها طوال هذه الأعوام؟ الإجابة سهلة: لقد أبقت على “الفزاعة”.
يبدو لمن لا يفهم المنطقة، أو من يختار ألا يفهمها، أن الحرب في غزة حرب ضد حماس. ويتكئ هذا المنطق المغلوط على خطابات إسرائيل وأتباعها من الصهاينة في الغرب والعرب. لكنه ينسف بذلك حقائق تاريخية ظاهرة، أولها واخرها ان الحرب على القطاع لم تبدأ في 2007-2008، مع فرض حركة المقاومة الإسلامية “حماس” حكمها على القطاع، بل بدأت في 1967، أي قبل تأسيس الحركة بعشرات السنين.
يتجاهل أيضاً صاحب هذا المنطق حقائق سياسية في نفس مستوى الوضوح، مثل تعامل حكومة حماس بالعملة الإسرائيلية – الشيكل – مما يخدم الاقتصاد الإسرائيلي، كما يفتح لها المجال التجاري المستتر مع مصر وإيران وغيرها من الدول العربية والإسلامية، دون اعتبارات التطبيع الشائكة. أنا لا أقصد هنا أية تخوين أو تشكيك في نوايا حركة المقاومة الإسلامية، حاشاني أن أفعل ذلك مع أي شخص يقاوم – ولو بالقليل – الإمبريالية الإسرائيلية الغاشمة. كل ما أقصد هو أن المصالح الإسرائيلية لا تتضارب مع وجود حماس في الحكم. بل إن حماس في إسرائيل تلعب الدور الذي لعبته تشكيلات الهنود الحمر العسكرية في الولايات المتحدة ويلعبه الإخوان اليوم في مصر: الفزاعة التي تبرر من خلالها كل ما يصعب تمريره في الظروف العادية.
فهذه الحالة الاستثنائية التي تخلق كل حين وآخر باستخدام فزاعة الإرهاب وما شابه لا تبرر فقط الممارسات الاستيطانية والاستعمارية ضد شعب فلسطين، بل تبرر أيضاً للدولة الإسرائيلية المعسكرة أن تقمع طموحات وحريات أبناء الدولة الإسرائيلية ذاتها. وقد ظهر هذا جلياً في حرب غزة الثانية – 2012، والتي جاءت لتقمع “الربيع الإسرائيلي”، حيث طلب من اﻵلاف من المتظاهرين المتجمهرين في ميادين تل أبيب يرفعون مطالب الحرية والعدالة الاجتماعية، ويشكون البطالة وغلو أسعار السكن والتعليم، أن يعودوا إلى جحورهم.. فكما نعرف نحن المصريون جيداً: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.
ولتظل العصابات المعسكرة المستترة تحت شعارات الديموقراطية الاستثنائية – والتي حكمت إسرائيل منذ كانت تسمى بهذا الاسم الصريح “العصابات الصهيونية” – في الحكم، يجب أن تستمر علة وجودهم. وعلة وجودهم تكمن في عصابات مضادة – عصابات إسلامية في مجابهة العصابات الصهيونية. فكلاهما، حماس وإسرائيل، يبرر وجوده في سدة الحكم، وتعاليه عن المطالب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لشعبه، بوجود خصم قد ينقض في أي وقت إذا “انشغلنا” بتلك المطالب. والمدهش أن خطر هذا الخصم يبلغ ذروة تألقه كلما تذكرت تلك الشعوب حقها في أن تحيا كباقي الشعوب، في سلام ورفاهية وعدالة وحرية.
إذا فهمنا الصراع من هذا المنطلق، سييسر علينا تفسير قصف غزة بالأمس، وكل مرة. ذلك لأنه إذا وصل قطاع غزة إلى حالة من الاستقرار والسلم سيطالب حتماً بمطالب كل الشعوب: الحرية، العدالة، الفرص. سيطالب خالد مشعل أن يعود من قطر ليدير شئون بلاده، وإسماعيل هنية أن يتنازل عن قصور الحكم لشعب يتضور جوعاً وعطشاً. بل ومن الممكن أن يطالب بخفض الإنفاق العسكري وتحويله للخدمات والتموين والصحة. هنا، وفقط، تصبح غزة خطراً على حكام إسرائيل. فالشعب الإسرائيلي قد يلاحظ حقه في أن يحيا كباقي الشعوب، وأن يطالب دولته العسكرية المستترة بنفس المطالب (بتخفيض الإنفاق العسكري في مقابل الخدمات، إلخ..).
إن حرب إسرائيل على غزة ليست حرب بين دولتين عسكريتين، بل حرب بقاء المعسكر العسكري الإسرائيلي-الفلسطيني، والذي يتكئ كل من عنصريه على الآخر في تعليل وجوده وأسره للحكم والموارد. إنها حرب ضد شعبي فلسطين وإسرائيل معاً، فكلا الشعبين مطلوب منه أن “يخرس” أمام دوي المعركة. كلاهما مطالب أن يؤجل حلمه بالحياة لما بعد الحرب – تلك الحرب التي لن تنتهي إلا بانتهاء دولة إسرائيل؛ أو بمعنى أصح: إذا انتهت، انتهت دولة إسرائيل.
ما أقصد بانتهاء دولة إسرائيل ليس طبعاً نسف هذا الشعب من الخريطة، بل نسف علة وجود الدولة العسكرية المتأصلة منذ تأسيس إسرائيل، والتي ترجع جذورها للعصابات الصهيونية الاستيطانية. لم تحرق روما لتنتهي دولة الرومان، ولم تشطب بريطانيا العظمى ولا فرنسا من الخريطة حينما سقطت ممالكهم التوسعية. وقد سقطت – نسبياً – دولة الولايات المتحدة الأولى، رغم إنكارهم لهذه الحقيقة؛ أن الولايات المتحدة الحالية ليست امتداداً لتلك التي أسسها الأباء الأوروبيون وعصاباتهم المسلحة، بل هي خراج صراعات اجتماعية حققت فيها الفئات المستضعفة كالعبيد والمرأة والفقراء بل والسكان الأصليون مكاسب لا بأس بها. كانت سقوط هذه الدول بسواعد شعوبها أنفسهم. فكل الشعوب العاقلة، إن تركت لتفكر بعقلها بعيداً عن طبول الحرب وأصوات المعركة، ستتمنى العيش في سلم ورغد وعدالة، لا قتال وتقشف وصراع.
فالسعي لسقوط دولة إسرائيل – بشكلها الحالي – سعي لصالح الشعب الإسرائيلي لا ضده، كاذب من صور الحياة على أنها كعكة لا تقبل التقسيم، وصور قتل الآخر على أنه السبيل الوحيد للحياة.. فلنبق على هذا الحلم ولا نستحي منه.
إن بقايا الدولة العسكرية الأمريكية تبذل كل ما في وسعها لتضطر أي رئيس أمريكي كان أن يمضي شيكاً على بياض لكل الممارسات الإسرائيلية العسكرية.. قصف الأمس ما هو إلا محاولة لحصر مرشحي الرئاسة الأمريكية بين اختيارين: إما أن تدعم القصف غير المبرر فيصعب عليك في المستقبل شجب ما هو أقل – أو أكثر – تبريراً منه، أو أن تشجبه فيجعل منك اللوبي الصهيوني ومعسكر الدولة العسكرية الأمريكية داعماً للإرهاب ومعادياً للسامية. فليكن ما يكون من الإدارة الأمريكية.. غافل من ينتظر من دولة في الأصل محتلة ومستوطنة أن تشجب ممارسات خليفتها.
لكن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي لن يهدأ حتى يفهم الشعب الإسرائيلي نفسه أن شعب غزة ليس خطراً عليه، وأن عدوه الحقيقي في الداخل؛ عدوه هو دولة إسرائيل.

رأي

More in رأي

قوات الأمن تلقي القبض على عدد من الشبان في مظاهرة سابقة - رويترز

عقيدة الأمن في مصر

شوارع مصر5 يناير، 2017
fidel-castro-turned-90-on-saturday-so-cubans-made-him-a-90-meter-long-cigar

عذرًا فيدل.. اللي مايعرفك يجهلك

عمر محيسن26 نوفمبر، 2016
مهند إيهاب - المصدر: صفحته على فيس بوك

مهند إيهاب.. 93٪ سرطان، 100٪ حرية

محمد ثروت4 أكتوبر، 2016
909711d0c18ded3774e248afe29c029c

نسوا الدُرة وشيعوا بيريز و«كله عمل من بَنها»

عمر محيسن30 سبتمبر، 2016
مشهد من فيلم «The Purge»

«التطهير» .. 12 ساعة خيال في أمريكا وواقع مصري على مدار العام

عمر محيسن24 سبتمبر، 2016
14390895_10157589448630691_3709270641951540381_n

الاحتياج للموت

مصطفى الأعصر23 سبتمبر، 2016
14182689_10157247198550018_820885272_n

ثورة البطون الجائعة

محمد ثروت3 سبتمبر، 2016
لقطة من فيلم (The Green Zone)

أفلام هوليوود ما بين عرض الواقع والتجميل السياسي

هديل السمري29 أغسطس، 2016

شوراع مصر هي شبكة اخبارية اعلامية مصرية شابة و مستقلة تهدف اساسا الي امداد القاريء بتصورات بديلة و مختلفة للاحداث في مصر و الشرق الاوسط , و لخلق منصات للتواصل الاجتماعي بين القراء لاستكشاف و مناقشة القضايا المختلفة التي تؤثر علي المنطقة . و شوارع مصر باللغة العربية تاتي تحت مظلة شبكة اعلامية تضم باللغة الانجليزية كل من شوارع مصر و شوارع لبنان و اخيرا شوارع اللاجئين. و تعد تلك الشبكة مصدرا موثوقا لعدد كبير من وسائل الاعلام العالمية نظرا لما تتمتع به من مصداقية و استقلالية اضافة الي تميزها من جيث تواصلها الدائم و المباشر مع قرائها من مختلف الاتجاهات و الجنسيات.

© 2016 ES Media UG. All Rights Reserved