أدب وثقافة

عن فِكي كُلبرت ودروس في تطوير التعليم من كولومبيا

عن فِكي كُلبرت ودروس في تطوير التعليم من كولومبيا

فِكي كُلبرت

فِكي كُلبرت

لا أعتقد في وجود حل جاهز ومُعَبأ لمشكلة التعليم في مصر. قد يعتقد البعض في الإكتفاء بتتبع تجربة ناجحة في دولة معينة — ومن ثم استنساخها في مصر — للوصول إلى نفس نتائج الدولة صاحبة التجربة الأم، لكني لا أتفق مع هذا الطرح.
المتابعون لتجارب تطوير التعليم يدركون أن السعي في هذا الطريق لا ينتهي، هي عملية مستمرة لا تعرف طريقاً للرضا بالموجود؛ وهل هناك أكثر من أن نُظُماً مثل التي تقف وراء تجارب مميزة مثل تجارب شنغهاي وفنلندا مازالوا يسعون للتطوير! هو تطوير يعقبه بحث ومتابعة ثم تطوير آخر، وهَلمّ جرّا. لهذا السبب تحديداً، قد تجد أن صاحب تجربة النجاح «س»، رغم وجود جوانب تستحق الإعتبار في تجربته، إلا إنه قد بدأ من نقطة مختلفة عن النقطة التي تقف فيها أنت حالياً، وبعد مسار تطوير مختلف أيضاً، وقد تجد صاحب تجربة النجاح «ص» برغم عدم وصوله لجودة تعليم ذات مستويات قياسية، إلا أنه يشبهك كثيراً في ظروفه، وتجربته أيضاً لا تخلو من تميز في جانب أو أكثر.

لمُجمَل هذه الأسباب، أعتقد جداً في جدوى حياكة “التجارب التفصيل” في تطوير التعليم، ولعل هذا هو ما شدني في جوانب كثيرة للتجربة الكولومبية وحجر الزاوية فيها — السيدة فِكي كُلبرت.

هذا المقال ليس المقصود منه شخصنة الإنجازات، وإن كان من ضمن أهدافه تسليط الضوء على دور الفرد. مما لا شك فيه، ولا اختلاف عليه علي ما أعتقد، أن المجال العام في مصر قد أوصل الكثيرين إلى درجة السأم من تناول المبادرات الفردية حول تطوير التعليم، باعتبارها قضية قومية تحتاج ركلة البداية فيها ليد طولي للدولة بمؤسساتها وليس الأفراد. ومع ذلك، فهناك قصص بدأت بفرد (أو أفراد) تستحق منا التأمل والإعتبار، فَرْد يعتبر أنموذجاً للريادة المُجتمعية، ألقت وحدها حجراً في مياه آسنة، فتحولت مبادرتها إلى سياسة قومية.

في سبعينات القرن الماضي، وتحت وطأة تحديات كثيرة من ضمنها عدم الإستقرار السياسي، كان التعليم في كولومبيا يمر بأزمة حادة خصوصاً في المناطق الريفية. في الإحصاء القومي لعام 1973، تركزت ثُلث القوى العاملة التي لم تتلقى تعليماً في الريف. وحتى مع هبوط نسب الأمية في الحضر، ظلت نفس المشكلة أكثر 3 أضعاف في الريف مقارنة بالحضر. منظومة التعليم — من مؤسسات الدولة، للمَدرسة والمُدرِّس والآباء والأبناء — كانت في حالة مزرية. الدولة مُلزمة بالتعليم العام، ولكن الإمكانيات محدودة والتحديات مُعجِّزة، المدارس والمديريات التعليمية تحاول التغلب على ضعف الميزانية وتظل مدارس الأرياف في آخر قائمة الإهتمام، المدرس مفتقد للتدريب الجيد وحتى اللوازم المدرسية، ومع ذلك مُلقى على عاتقه مسئوليات جسيمة لتخريج جيل جديد بعضهم سيعملون كمعلمين يسيرون على نفس دربه، وأخيراً الآباء والأبناء بين مطرقة المصروفات المدرسية وسندان العَوَز الذي يتطلب توظيف الأطفال بدلاً من تعليمهم.

بعد دراستها لعلم الإجتماع وحصولها على درجة الماجستير في التعليم من جامعة ستانفورد بالولايات المتحدة، عادت فِكي كُلبرت إلي كولومبيا. وبنظرة صوب تحقيق التغيير من الداخل، إلتحقت كُلبرت بوظيفة في وزارة التعليم كمنسقة مشاريع لمدارس الأرياف. في البداية، إنخرطت في العمل بشكل فردي وغير مؤسسي، بتواصل شخصي مع المُعلمين، تتحرك من مَدرسة لأخرى لإقناعهم بنموذج تعليمي رأت فيه تغييراً جذرياً للوضع القائم ونقل للطالب من موقع المُتلقي إلى قلب منظومة إصلاح التعليم .. الطالب نفسه. وضعاً في الإعتبار أننا نتحدث في فترة سبعينات القرن العشرين، بدأت كُلبرت تدريب المعلمين في مدارس الأرياف على لعب دور المُحفِّز للتفكير والمناقشات والإبتكار، والمُيسِّر الذي يقود مقاربة للتَعَلّم النَشِط والتعاوني في قاعة الدرس، بحيث يقدم للطالب — حتى في أفقر مدارس كولومبيا — تجربة تعليمية ذاتية التوجيه والضبط من جانب المُتَعلِّم. النتائج كانت مُبهرة.

وبالرغم من البداية القوية إلا أن البرنامج كان في حاجة لآلية للتوسع ثم الإستدامة. وبمرونة وبصيرة، إنتقلت كُلبرت لدائرة أخري فأسست Escuela Nueva (المدرسة الجديدة) لجمع وتنسيق ثم نشر نموذجها التعليمي الواعد، ثم انتقلت لدائرة تالية وهي دوائر صُنع السياسات، حتى وصلت لمنصب نائب وزير التعليم في كولومبيا، ثم تفرغت لمؤسسة “المدرسة الجديدة” لضمان إستدامة الأثر والتمويل المطلوب لتحقيقه. بحلول نهاية عِقد الثمانينات، كان نموذج فِكي كُلبرت التعليمي قد دخل بالفعل لــ 20000 مدرسة إلى أن تم تطبيقه في 14 دولة ليستفيد منه ما يزيد على 5 مليون تلميذ.

التنمية في كولومبيا، والإقتصاد في كولومبيا، والسياسة في كولومبيا، كل ذلك يقع خارج نطاق هذا المقال، أما بالنسبة للتعليم، فكولومبيا لديها ما تتحدث عنه في نتائج إختبارات المقاييس العالمية لجودة التعليم. في إحصاءات بيزا لعام 2012 ، على سبيل المثال،وبرغم طفرة التعليم التي تشهدها دولة مثل قَطَر، حَلَّت كولومبيا قبل قطر بمتوسط أعلى منها في القراءة والعلوم وبمتوسط مكافئ لها في الرياضيات. صحيح أن متوسط التغير السنوي إيجابي وأعلى في قطر منه في كولومبيا، لكن الجدير بالذكر أن دول مثل كندا وفنلندا وفرنسا، متوسط التغير فيها بالسالب. على حد علمي، تعتبر كولومبيا من دول قليلة يتميز فيها طلاب مدارس المناطق الريفية على طلاب الحَضَر. وبعد ما يقرب من ثلاثين عاماً من مبادرة فِكي كُلبرت، وحسب نفس إحصاءات جودة التعليم المذكورة مسبقاً، فقد قطعت كولومبيا شوطاً (مع بولوندا والمكسيك) في إستهداف الآداء المتردي سواء من الطلبة أو من المدارس — بغض النظر عن الطبقة الإجتماعية/الإقتصادية — عن طريق تطوير البنية التحتية المعلوماتية. وضمن مجموعة من الدول، استطاعت كلها تحسين آدائها في اختبارات بيزا، وتضم اليابان والبرازيل وإستونيا وبولندا والكيان الصهيوني، أقرت كولومبيا سياسات من شأنها تحسين مستوى العاملين بسلك التدريس، مثلاً:
1. مزاولة مهنة المُعَلِّم أصبحت تتطلب إستصدار تصريح.
2. خَلْق الحافز للطلبة المتفوقين من أجل الإلتحاق بالمهنة.
3. توفير الحافز للمعلمين المشاركين في برامج التنمية المهنية.
من المؤكد أن التحليل المُفصّل لنتائج إختبارات جودة التعليم (وخصوصاً أن بيزا تعتبر جزءاً واحداً فيها) يحتاج لمساحة أكبر، لكن بدون أدنى شك، في رأيي، هناك ما يمكن أن نتعلمه من كولومبيا.

• في جداول تقييمات جودة التعليم، قد تفقد تجارب شيقة عندما تحصر نظرك في تجارب الدُوَل التي تقع في أعلى الجدول.
• ماذا لو أن فِكي كُلبرت قد إكتفت بالعمل على المستوى الشخصي في تدريب المدرسين، فلم تؤسس Escuela Nueva، وماذا لو افتقدت المرونة في التنقل من موقع المبادرة المجتمعية إلى موقع الضغط لصنع السياسات؟ لا خلاف على دور الدولة في منظومة تطوير التعليم، لكن دور ووعي الفرد قد يغير شكل المستقبل.
• تؤثرني تجارب النجاح — وهي عديدة في العالم — التي بدأت بالتركيز على المناطق المحرومة. في الصورة الكبيرة، أرى العدالة الإجتماعية عصباً في أي مشروع جاد لتطوير التعليم. التجارب الدولية في هذا الجانب مُلهمة وليست بقليلة، ولنا في دولة إستونيا مثلاً.
• شئ جيد أن تولي وزارة التربية والتعليم إهتماماً لتدريب المعلمين مهنياً، لكن متابعة جودة التنفيذ أهم، والأهم أُس2 هو حافز التدريب المهني، وأولويات الترقية الوظيفية. ما يحدث في اليابان وكولومبيا والبرازيل وغيرهم من ربط التدريب المهني بالحافز في صورة ترقي وظيفي أو غيره هو شئ بديهي جداً، وتكلفته — المالية على الأقل — بسيطة جداً. في حوار مع مدرس على منصة إلكترونية لتطوير مهارات المعلمين في الوطن العربي، أشار إلى أن “التدريب اللي تبع الوزارة موجود” لكن تنفيذه في بعض الأحيان يكون كوميديا سوداء، تقفيل دفاتر.
• كنت أشاهد حواراً لرئيس جامعة مصرية مهتم بمبادرات تطوير التعليم. الرجل غني عن التقييم وحماسه غني عن المَدْح، لكني تحفظت قليلاً على تقديمه لجزئية التكنولوجيا التعليمية كضرورة آنية، والبند رقم واحد في خطة التطوير. بالتأكيد، لا أجادل في أهميتها وفي ضرورة تطوير البنية التكنولوجية في المدارس أيضاً؛ كلامي فقط عن النطاقات الزمنية لخطط تطوير التعليم، حماية لتلك الرؤى من “مفيش، منين، مينفعش”. أعتقد أن هناك ما يمكن القيام به لإستهداف المدارس التي يَصعُب تطويرها تكنولوجياً في فترة قصيرة، وهناك من سُبُل تطوير (بل تثوير) أساليب التدريس والتَعَلّم ما لا يحتاج ميزانيات ضخمة. صدِق أو لا تصدِّق، في نفس التوقيت الذي بدأت فيه فِكي كُلبرت مبادرتها (سبعينيات القرن الماضي)، كان الكيان الصهيوني قد افتتح مركزاً لإبتكارات تكنولوجيا التعليم. كشابة متحمسة رجعت لتوها من الدراسة في دولة متقدمة تكنولوجياً، كان يمكنها أن تصب تركيزها علي مبادرة — عظيمة بالفعل — مثل إنشاء مركز لإبتكارات تكنولوجيا التعليم، لكنها أخذت مساراً آخر لا يقل أهمية وضرورة، وربما احتاجته دولتها أكثر في ذلك الوقت، واستطاعت تغيير وجه التعليم في كولومبيا، بأسلوب لم يكلف الدولة مليماً إضافياً. بشكل أبسط، هل يمكن في المستقبل القريب، في مدة زمنية قصيرة جداً، إحداث طفرة في شكل اليوم الدراسي في أكثر مدارس مصر إحتياجاً؟ في رأيي، نعم .. لو بدأنا.
• صحيح أننا نتكلم عن تجربة تعود لأكثر من أربعين عاماً مضت، ولكن من أين أتت فِكي كُلبرت بجدوى مقاربة التَعَلّم النشط؟ إنه البحث العلمي التعليمي الذي هو كل يوم فيه جديد، إلى لحظة كتابة هذه السطور، قلب العملية التعليمية ومضخة الدم الجديد فيها. فلو أن تحنيط المركز القومي للبحوث التربوية والتنمية هو جواب نهائي من الدولة، فعلى الأقل يمكننا الإطلاع علي الإنتاج البحثي في هذا المجال في الدول القادرة على الإنفاق عليه.
• الإكتشافات تحتاج لتجارب، والتجربة قد تفشل وقد تنجح — مسار تطوير طويل ومستمر تحفره الدول بأسنانها في طريق المستقبل — وحتى بعد النجاح، نحتاج لمتابعة ثم تنقيب ثم تطوير ثم تكرار، وهكذا، أولادنا يستاهلوا ده.

وللحديث بقية.

 

أدب وثقافة

مهندس وباحث مصري في مجالات معالجة وتحليل وتخليق الصور. مهتم بتطوير التعليم في مصر، وبتعزيز دور البحث العلمي التعليمي في رسم السياسات العامة الخاصة بالتعليم، وصاحب مدونة خوجة التعليمية (khoaja.com).

More in أدب وثقافة

البوستر الخاص بالأمسية

ماتأخرناش: أمسية شعرية غنائية جديدة للشاعر أحمد حداد

شوارع مصر4 يناير، 2017
المفكر محمد أسد

من اليهودية إلي الإسلام.. رحلة المفكر والرحالة الأوروبي محمد أسد

شيرين عمر9 ديسمبر، 2016
دعاء العدل

اختيار دعاء العدل ضمن قائمة النساء الأكثر تأثيرا لعام 2016

أصوات مصرية23 نوفمبر، 2016
البوستر الدعائي للفيلم - المصدر: IMDB

«قبل الفيضان»… رائعة وثائقية جديدة لقناة ناشيونال جيوغرافيك وليوناردو دي كابريو

هديل السمري22 نوفمبر، 2016
الفنان الراحل محمود عبدالعزيز وزوجته بوسي شلبي، في حفل افتتاح مهرجان دبي السينمائي، ديسمبر 2012- رويترز

مهرجان القاهرة السينمائي ينطلق الليلة ويهدي دورته إلى “الساحر”

أصوات مصرية15 نوفمبر، 2016
14463241_10154961623202289_8176077139969131321_n

ثلاث مشاهد مكثفة.. عن الحب

محمد السلاموني1 أكتوبر، 2016
مسجد بلال في فيللة،

بيع أول مجموعة لصور سياحية في مصر بعد 170 عامًا

شيرين عمر27 سبتمبر، 2016
saudiarabiagrungyflagbythink0-1

تحت المايكروسكوب: الوهابية ودولتيهم السعوديتين .. الأصل والفصل

عمر محيسن22 سبتمبر، 2016

شوراع مصر هي شبكة اخبارية اعلامية مصرية شابة و مستقلة تهدف اساسا الي امداد القاريء بتصورات بديلة و مختلفة للاحداث في مصر و الشرق الاوسط , و لخلق منصات للتواصل الاجتماعي بين القراء لاستكشاف و مناقشة القضايا المختلفة التي تؤثر علي المنطقة . و شوارع مصر باللغة العربية تاتي تحت مظلة شبكة اعلامية تضم باللغة الانجليزية كل من شوارع مصر و شوارع لبنان و اخيرا شوارع اللاجئين. و تعد تلك الشبكة مصدرا موثوقا لعدد كبير من وسائل الاعلام العالمية نظرا لما تتمتع به من مصداقية و استقلالية اضافة الي تميزها من جيث تواصلها الدائم و المباشر مع قرائها من مختلف الاتجاهات و الجنسيات.

© 2016 ES Media UG. All Rights Reserved