رأي

الاحتياج للموت

الاحتياج للموت

14390895_10157589448630691_3709270641951540381_n

سألتني الصغيرة والحيرة تملأ عيونها “إلى أين يذهب الأموات؟” وفي هذه المرة بالذات لم أجيب الرد التقليدي المحفوظ المريح للأفئدة، يذهبون إلى الفردوس الأبدية يا صغيرتي، وجدتني أقول لها يذهبون حيث يستحقون أن يكونوا من البداية، فقالت لي جارنا محمود كان وغدًا لابد أنهم ألقوا به في غرفة الفئران، ابتسمت وقلت ربما، تحولت ملامح وجهها إلى الصدمة والخوف وقالت لي ولكني شقية أنا الأخرى، أحيانًا أكذب على أمي ولا أطيع أوامر أبي وألعن أخي الأكبر في سري وآكل الكثير من الشيكولاتة وأمي قالت لي ألا أفعل، أخشى أن أذهب إلى غرفة الفئران بعد أن أموت، مسحت بيدي على رأسها ونظرت في عينيها وابتسمت قائلًا يا صغيرتي لا تحسبي ماذا يجري تحت الأرض ولكن اهتمِ بما يجري فوقها، لا تقلقِ على مستقبل مجهول واقلقِ بالحاضر المظلم، أنيري دربك بالصلاح، حافظِ على نفسك من تقلبات الأيام، انجِ بعقلك وسيطري على أفكارك وحافظي على نقاء قلبك ويقظة ضميرك وطهارة يدك وعفة لسانك، أخشى أن أقول لكِ أني لا أعرف أين يذهب الأموات، ربما لا يذهبون إلى أي مكان وربما يطوفون الفضاء أو تُخلّد أرواحهم في النعيم أو تُعذّب في جحيم أبدي، أنتِ صغيرة على التفكير في مثل هذه الأمور، وأنا مثلك صغير فأرجوكِ لا تسأليني عما أجهله ويجهله مثلي الجميع.
الموت كالحياة فُرض علينا ولم نختاره، بدون إذن اختلجت الأنفاس في صدورنا ونَبَض القلب وتحركت الدماء مُعلنة عن كائن حي دبت في جسده الحياة، وبدون عِلة أو اختيار أو فرصة أخيرة لإصلاح أي شئ، وبدون إذن تُسحب الحياة من البدن وتُردى إلى العدم من جديد، جئنا من العدم ونعود إليه، دون أن نختار المجئ أو الذهاب، لماذا نحب الحياة ونحن لم نختارها بينما نبغض الموت ونحن لم نختاره أيضًا؟ الأمر سيان، بيد أن الموت ربما يصير ألطف بحالنا من الحياة، ينتزعنا من أوجاعنا ويخلصنا من المعاناة ويقتل ألم الفكر ووجع الروح وقهر القلوب، لا أحد يحتاج للحياة أو يطلبها وهو عدم، والكثير يطلب الموت وهو حي ويتذلل إلى العدم.
يُعذّبني الفكر عندما احاول إيجاد سبب مقنع للحروب، البشر يقاتلون ويَقتلون ويُقتلون من أجل أن تحل الأرض السلام! يموتون من أجل الحياة، أي زيف هذا! البشر يحاربون لأنهم يقدسون الموت أكثر من الحياة، يحتاجونه كحاجتهم للجنس والنوم والكلام، الموت هو المحرر من أوجاعهم، ومن عبوديتهم لأفكار لم يختاروها وأديان لم يتبعوها وآلهة مزيفة اختاروا عبادتها مُجبرين دون أن يعوا، مؤمنين بالخلاص في التعبد إليهم وفي القرب من أمثالهم المؤمنين، الموت هو المنجّي والمخلّص، الموت هو محرر العبيد، سبارتاكوس القرن الحادي والعشرين.
الحياة تطلب منك الغالي والنفيس لكي تُكملها، الكثير من العمل والألم والمعاناة المستمرة والقليل من المتع اللحظية الزائلة، بينما لا يطلب منك الموت شيئًا، فقط هكذا بسهولة، لقد مات فلان! الحياة لا ترضى بالموت منازعًا لها على عرش حُب البشر، فلا تتركنا نذهب إلى الموت إلا متألمين إما بمرض جسدي أو نفسي أو حادث بشع أو قرار انتحار يؤذي كل من حولنا، تحوّلنا من أحرار إلى عبيد إلى عشاق مخمورين بجمالها المعسول، ككلب اقتنيته وربيته لتكون له سيد غير أنك تجلده في كل لحظة وتجعله يقوم بالمشاق كافة حتى يحصل على قوت يومه، فإن تذمّر جلدته من جديد، وإن حاول الفرار منك، عذبته وحبسته حتى يرحل متألمًا ويكون عبرة لغيره من الكلاب الضالة.
كم رأيتم من أحد ذهب للموت واشتكى طالبًا الحياة؟ كم رأيتم من أحد جاء الحياة واشتكى طالبًا الرحيل!

رأي

كاتب و مدون

More in رأي

قوات الأمن تلقي القبض على عدد من الشبان في مظاهرة سابقة - رويترز

عقيدة الأمن في مصر

شوارع مصر5 يناير، 2017
fidel-castro-turned-90-on-saturday-so-cubans-made-him-a-90-meter-long-cigar

عذرًا فيدل.. اللي مايعرفك يجهلك

عمر محيسن26 نوفمبر، 2016
مهند إيهاب - المصدر: صفحته على فيس بوك

مهند إيهاب.. 93٪ سرطان، 100٪ حرية

محمد ثروت4 أكتوبر، 2016
909711d0c18ded3774e248afe29c029c

نسوا الدُرة وشيعوا بيريز و«كله عمل من بَنها»

عمر محيسن30 سبتمبر، 2016
مشهد من فيلم «The Purge»

«التطهير» .. 12 ساعة خيال في أمريكا وواقع مصري على مدار العام

عمر محيسن24 سبتمبر، 2016
14182689_10157247198550018_820885272_n

ثورة البطون الجائعة

محمد ثروت3 سبتمبر، 2016
لقطة من فيلم (The Green Zone)

أفلام هوليوود ما بين عرض الواقع والتجميل السياسي

هديل السمري29 أغسطس، 2016
رسم: إبراهيم بهاء الدين

مثلث پرمودا

إبراهيم بهاء الدين29 أغسطس، 2016

شوراع مصر هي شبكة اخبارية اعلامية مصرية شابة و مستقلة تهدف اساسا الي امداد القاريء بتصورات بديلة و مختلفة للاحداث في مصر و الشرق الاوسط , و لخلق منصات للتواصل الاجتماعي بين القراء لاستكشاف و مناقشة القضايا المختلفة التي تؤثر علي المنطقة . و شوارع مصر باللغة العربية تاتي تحت مظلة شبكة اعلامية تضم باللغة الانجليزية كل من شوارع مصر و شوارع لبنان و اخيرا شوارع اللاجئين. و تعد تلك الشبكة مصدرا موثوقا لعدد كبير من وسائل الاعلام العالمية نظرا لما تتمتع به من مصداقية و استقلالية اضافة الي تميزها من جيث تواصلها الدائم و المباشر مع قرائها من مختلف الاتجاهات و الجنسيات.

© 2016 ES Media UG. All Rights Reserved